سبعة عشر عاما في الأسر: أنور ياسين يتحدث عن نشأة الحركة الأسيرة الفلسطينية ومعاناتها


أنور ياسين عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني. في عام 1987، وأثناء قتاله في صفوف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، أُصيب وأُسر بعد اشتباك مع قوات الاحتلال الإسرائيلي على المنحدرات الغربية لجبل الشيخ، حيث أمضى السنوات السبع عشرة التالية داخل السجون الإسرائيلية؛ أولا في الرملة، ثم في عسقلان؛ حيث أصبح جزءا من النواة التنظيمية لحركة الأسرى الفلسطينيين. فيما يلي يروي قصة أسره والتحقيق معه، والحياة السياسية الجماعية التي بناها المعتقلون داخل سجون الاحتلال قبل اتفاقيات أوسلو عام 1993، والانقسام الذي أحدثه أوسلو، والقمع الذي يواجهه الأسرى الفلسطينيون اليوم في ظل وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير.
استنادا إلى تجربته الشخصية والمعاناة التي كابدها إثر عمليته عام 1987 في جنوب لبنان، يتحدث أنور ياسين، العارف عن قرب بأغوار السجون الصهيونية، من واقع تجربة حقيقية. جرت العملية على المنحدرات الغربية لجبل الشيخ، حيث قُتل عدد من الضباط والجنود الإسرائيليين الذين هبطوا إلى الموقع بطائرة مروحية.
اشتبكنا لمدة ست ساعات تقريبا، ثم أُصبت وجُرحت خلال المواجهة. وفي اليوم التالي، بعد نحو 14 ساعة، طُوقت في المكان نفسه لأن الانسحاب كان قد بات مستحيلًا، إذ كانت قوات الاحتلال قد سيطرت على كامل المنطقة التي دارت فيها المعركة.
نُقل إلى مركز تحقيق في شمال فلسطين، يعتقد أنه كان قريبا من كريات شمونة. بعد ثلاثة أيام، وقد باتت جروحه ملتهبة بشكل خطير وحياته مهددة، نُقل إلى منشأة طبية.
كما اتضح، لم يبقوني على قيد الحياة بدافع الرحمة أو المشاعر الإنسانية، بل لأنهم كانوا بحاجة إلى معرفة هوية هؤلاء الأشخاص الذين ألحقوا خسائر فادحة بهذا العدو.
تم خياطة الجروح على عجل، دون علاج مناسب، وفي غضون أقل من ساعة نُقل مرة أخرى، هذه المرة إلى مركز استجواب تابع للشرطة العسكرية في منطقة تُسمى “السرافاند”، بين مدينتي لود والرملة. مكث هناك لمدة 100 يوم تقريبًا، وكان الشهر ونصف الأول هو الأصعب.
خِيطت الجراح على عجل، دون علاج مناسب، وفي أقل من ساعة نُقل مجددا، هذه المرة إلى مركز تحقيق تابع للشرطة العسكرية في منطقة تُدعى الصرفند، بين مدينتي اللد والرملة. بقي هناك نحو مئة يوم، كان أقساها الشهر ونصف الشهر الأول. طوال تلك الفترة، لم يكن أنور ياسين يعرف شيئًا عما جرى خلال المعركة، ولا ما إذا كانت قيادة المقاومة تعلم أصلًا إن كان قد أُسر أم قُتل. واستغل سجانوه هذا التعتيم:
كان العدو يستغل هذا التعتيم على وضعي، وعلى مكاني، وعلى ما جرى، فكان يلجأ باستمرار إلى الوحشية، لأن الصليب الأحمر لم يكن قد زارني بعد. مارس وحشية كبيرة في محاولة لانتزاع اعترافات، لمحاولة الحصول على شيء مفيد للانتقام، أو لشن هجوم على الحزب، أو على مواقع المقاومة.
لم تصل اللجنة الدولية للصليب الأحمر إليه إلا بعد 45 يوما، وحتى في تلك اللحظة نقله سجانوه إلى موقع آخر قبل الزيارة حتى لا يُكشف مكان التحقيق نفسه. في ذلك اللقاء الأول مع الصليب الأحمر، وصف التعذيب والممارسات اللاإنسانية واللاأخلاقية التي استُخدمت ضده، كما جلبت له اللجنة أخبارا متفرقة عن عائلته، وعن الحزب، وقصاصات من صحف لبنانية عن العملية وتداعياتها.
عندها فقط أدرك حجم ما أثار تلك الوحشية: فقد اعترف الاحتلال بمقتل ضابطين وجنديين، وإصابة خمسة آخرين.
لذا فإن الممارسات الوحشية كانت تشير إلى الانتقام والإجرام، كرد فعل على الجرح العميق الذي تعرض له هذا العدو المحتل في تلك المعركة.
ثم تحوّل الأسلوب من العنف المباشر إلى الإغراء الممزوج بالتهديد، تهديد بالقتل، أو بالإفراج عنه داخل حقل ألغام، أو بإغلاقه في غرفة مليئة بكلاب مسعورة أو قطط برية. كان يرى أنور ياسين في ذلك محاولات لكسر إرادته، محاولات باءت بالفشل لأن قناعته بالمقاومة سبقت أسره. فقد نشأ في جنوب لبنان تحت الاحتلال، وشهد بأم عينيه الإذلال اليومي الذي تعرض له أبناء مجتمعه:
رأيت بأم عيني جرائم هذا العدو، وممارساته، وإذلاله لأبناء شعبي في الجنوب، كيف كان يسوق الشبان، والرجال، والشيوخ، ويذلهم في مراكز التحقيق. وكان والدي من بينهم، استُدعي أكثر من مرة، وكانوا يحتجزونهم 8 أو 9 ساعات تحت الشمس. ثم يقول أحد الحراس إن الضابط مشغول اليوم، أو إن عمته مريضة فذهب لزيارتها، فعودوا غدا.
هذا، وفق أنور ياسين، هو ما شكّل وبلور فكرة المقاومة ورفض الخضوع لإرادة المحتل، الثقافة التي قادته في نهاية المطاف إلى الأسر، وإلى نوع من التسليم بمصيره واحتمالات نجاته منه.
قد يرى كثيرون في الاستشهاد في مثل هذه الحالات عملا بطوليا؛ غير أن البعض الآخر، وأنا منهم، يرى أن السعي للبقاء على قيد الحياة له أهمية أكبر، لأننا سعينا دوما، وما زلنا نسعى، لتحرير وطننا وشعبنا من الاحتلال، ولأننا نرفض الموت الذي يفرضه هذا الاحتلال.
خرج من أيام التحقيق المئة دون أن ينكسر، وهي حقيقة يقول إن سجانيه أنفسهم أقروا بها. في آخر يوم من التحقيق، قال له ضابط المخابرات: سنلتقي مجددا في ساحات أخرى، وستندم على أنك لم تقدّم لنفسك خدمة.
تلا ذلك ستة أشهر من الاعتقال قبل المحاكمة، ثم صدر الحكم: ثلاثون عاما، بعد نحو ست جلسات محاكمة. في أول مثول له أمام محكمة عسكرية في اللد المحتلة، رفض أنور ياسين الوقوف عند دخول القضاة، رفضٌ تمسك به طوال باقي الجلسات، وكان في كل مرة يثير مشادة تنتهي بإخراجه إلى زنزانة احتجاز بينما تستمر المحاكمة من دونه. لم يحضر سوى الجلسة الافتتاحية، التي لم يقف فيها، وجلسة النطق بالحكم الأخيرة، بموجب ترتيب تفاوض عليه محاميه المعيَّن من المحكمة مع القضاة، يقضي بأن يسير مباشرة من زنزانة الاحتجاز للوقوف أمام هيئة المحكمة، بدلا من الجلوس والانتظار في قاعة المحكمة.
لقد دفع المحامي، وهو محامٍ عربي عيّنته المحكمة، بأن أنور ياسين قد أُسر على الأراضي اللبنانية، وبالتالي لا يمكن محاكمته بموجب القانون الإسرائيلي العادي دون نص قانوني خاص. علم ياسين لاحقًا أن هذا المحامي كان موضع ثقة المخابرات الإسرائيلية، إذ كان يملك حق الاطلاع على الملفات السرية للفلسطينيين المعتقلين إداريا؛ المحامي العربي الوحيد الذي يملك هذا الحق؛ وهو ما يراهأنور ياسين علامة على تبعيته للمحاكم وأجهزة الأمن الإسرائيلية. مع ذلك، أدت هذه الحجة إلى خفض الحكم من أربعة مؤبدات متتالية إلى مؤبد واحد محدد بثلاثين عاما، رغم اعتراض الادعاء في البداية (كان ضابط مخابرات يتولى دور الادعاء)، قبل أن يحسم القضاة الثلاثة الأمر بعد نحو نصف ساعة من الجدل.
كنت أتوقع مؤبدا عن كل ضابط وجندي قُتل، أربعة قتلى، أي أربعة مؤبدات، بالإضافة إلى عشرين عاما كحد أدنى عن كل جريح، خمسة جرحى، أي مئة عام إضافية. كان يمكن أن يصل الحكم إلى ما يقارب خمسمئة عام. لكن لأن ظروف أسري جرت على الأراضي اللبنانية، كما جادل المحامي، مستندا إلى النصوص القانونية داخل الكيان الصهيوني، أصدروا حكما استثنائيا في محاكمتي وفي هذا الحكم، رغم أنهم هم من ينبغي أن يُحاكَموا، فهم من ارتكب العدوان، ومن دخل أرضي، ومن دمّر بلدي وقتل شعبي في جنوب لبنان، وما زال يفعل ذلك حتى اليوم. لكن هذا هو منطق القوة الغاشم.
من الرملة، نُقل إلى سجن عسقلان، وهناك بدأت السنوات السبع عشرة التي أمضاها داخل حركة الأسرى.
تشكلت الحركة الأسيرة داخل البنية القانونية التي ورثتها إسرائيل عن الانتداب البريطاني – وهي، من حيث الجوهر، قوانين الطوارئ ذاتها التي حكمت فلسطين في أربعينيات القرن الماضي. رغم هذا الإرث، حوّلت الحركة معاقل مثل عسقلان ونفحة إلى ما يسميه ياسين في مواضع أخرى مدارس سياسية.
يبدأ أنور ياسين بنقطة الإرث مباشرة:
يعتمد العدو الصهيوني اعتمادا كبيرا على ما ورثه عن الحكم الاستعماري البريطاني لفلسطين، من قوانين، بل وحتى مباني السجون القديمة نفسها. سجن عسقلان، على سبيل المثال، كان ثكنة للجنود وإسطبلا للخيول، مستودعا للجيش البريطاني، ثم حُوّل إلى مرفق اعتقال، سجن للأسرى الفلسطينيين. منذ أواخر الستينيات تحول إلى سجن أمني، سجن للمعتقلين السياسيين والمقاتلين.
في الفترة الأولى، يقول، كان هناك احتكاك بين المعتقلين على ذمة قضايا جنائية ومدنية عادية والمعتقلين الأمنيين. ولم يدم ذلك طويلا، لأن الأسرى السياسيين بدأوا بتنظيم حياتهم داخل الأسر بطرق مختلفة اختلافا حادا عن طريقة عيش المعتقلين الجنائيين، احتكاك قام الأسرى أنفسهم، جزئيا، بتغذيته عن عمد، إلى أن فُصل الجناح الجنائي عن الجناح الأمني في عنابر وأقسام مختلفة. وكان هذا الفصل الخطوة الأولى، إذ مهّد الطريق لحياة أكثر تنظيما وتنسيقا داخل الزنازين.
كانت إمكانية إنشاء تنظيم ذاتي داخل السجن لتعبئة الأسرى في تلك الفترة ضئيلة؛ بل شبه منعدمة. فقد كانت شبكة الاعتقال واسعة بما يكفي لتشمل أشخاصا لا صلة حقيقية لهم بالقضية الوطنية، ممن جعلهم ضعف انتمائهم ووعيهم السياسي الهش عرضة للوقوع في قبضة المخابرات الإسرائيلية وتحوّلهم إلى عملاء داخل الزنازين، يبلّغون السجان بما يجري داخلها وبمن ينشط في تنظيم خطوات تصعيدية ضد إدارة السجن لانتزاع مزيد من الحقوق وحياة أقل وحشية.
حتى عامي 1972-1973 تقريبا، تضمنت ظروف السجن ما يسميه أنور ياسين «مراكز اقتصادية» بناها السجان داخل السجون؛ ورش عمل، مغاسل، نوع من الإنتاج أشبه بصناعة أغطية الدبابات وأقمشة الخيام؛ وكان الأسرى يُشغَّلون فيها مقابل مكافآت تافهة، مثل ثلاث سجائر في اليوم، وهو ما يسميه ضربا من الابتزاز. وقد أدركت النواة الصلبة للحركة الأسيرة، التي كانت قد بدأت تتشكل، حقيقة هذا الأمر: عمل قسري مجاني يخدم السجان. وأدى هذا الإدراك إلى إضراب رافض لأداء أي عمل داخل السجن على الإطلاق.
مع إضراب عام 1972 أو 1973، امتنع الأسرى عن هذا العمل تماما، وكانت هذه الخطوة أيضا نقلة نوعية في حياة الأسرى.
من هناك، توسعت النواة الصلبة، وبدأ التنظيم يسير وفق الخطوط الفصائلية؛ فتح، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، حزب الشعب الفلسطيني، إلى جانب تجمعات دينية وإسلامية منفصلة. تدريجيا، انقسمت العنابر وفق هذه الخطوط، مع وجود عدد من العنابر المشتركة التي تعذّر إغلاقها على فصيل واحد، إذ قد تضم الزنزانة الواحدة، التي تؤوي ما بين 8 و14 أسيرا، غرفة مختلطة مشتركة بين التنظيمات.
تطورت الحركة أكثر مع إنشاء قيادة وطنية موحدة داخل السجن، لجنة مشتركة يحظى فيها كل فصيل يضم أكثر من سبعة أعضاء داخل سجن معين بممثل واحد. وتولت هذه اللجنة التفاوض على شروط الحياة اليومية للأسرى والتعامل مع إدارة السجن عبر ممثل واحد متفق عليه لجسم الأسرى. لفترة طويلة، تولت فتح، باعتبارها الفصيل الأكبر على الأرض بلا منازع، إذ شكّلت ما بين 40 و45 في المئة من الأسرى في فترة ما قبل أوسلو، موقع الممثل العام، الذي اختاره الأسرى أنفسهم لإدارة شؤون الاعتقال.
هذا نظّم الحياة بحيث لا يكون هناك احتكاك دائم بين الأسرى والسجان مباشرة. فهناك لجنة وطنية تدير شؤون الأسرى في مواجهة السجان، وتضع أيضا خطط المواجهة؛ إضرابات مفتوحة عن الطعام، إضرابات تكتيكية، اعتصامات في ساحات السجن، وأعمال تمرد. كانت هذه هي الخطوات التي ترفع التوتر وتحدّ الصراع مع السجان، كلما حاول السجان فرض سياسة تخدم مصلحته الخاصة وتمس كرامة الأسرى ونضالهم داخل السجن.
هذا الانضباط الجماعي أتاح للحركة الأسيرة إطالة أمد المواجهات واستنزاف السجان بمرور الوقت. يشير ياسين إلى أن موظفي السجن كانوا يُحرمون من الإجازات لرؤية عائلاتهم حين يشتد التوتر في سجنهم، وهي ورقة ضغط استخدمتها الحركة لانتزاع تخفيف للإجراءات العقابية.
لم يقتصر نضال الحركة الأسيرة على تحسين الظروف، بل شمل أيضا كرامة العائلات الزائرة. فمزاج ضابط بعينه كان يحدد ما يُسمح بإدخاله من خدمات للأسرى، وما إذا كانت العائلات الزائرة ستتعرض لتفتيش مهين. تطلّب تأمين الحد الأدنى من الاحترام للعائلات الزائرة مواقف جماعية حازمة، نضال خيض باستمرار، وتراكمت مكاسبه في ظروف معيشة الأسرى حتى أوسلو، عام 1993.
وأقوى هذه المواجهات، كما يقول أنور ياسين، كان إضرابا استمر 18 يوما عام 1992.
أجبرنا السجان على التنازل عن الحق في إتمام التعليم الجامعي وأداء امتحانات الثانوية العامة داخل السجن، وعلى إدخال ما يتعلق بالدراسة؛ ألواح للكتابة، مراوح لتهوية الزنازين. وكذلك سخان كهربائي لتسخين الطعام داخل الزنزانة، وكان ذلك محظورًا من قبل. فإضراب 1992 حقق مجموعة من المكاسب لحركة الأسرى، من بينها قنوات تلفزيونية أفضل، فقد انتقلنا من نحو 3 أو 4 قنوات إلى أكثر من 12 قناة، نصفها إسرائيلي، والنصف الآخر قنوات عربية، سمحت لنا بمتابعة بعض الأخبار من أنحاء العالم العربي.
يصف أنور ياسين الفترة الممتدة تقريبا من 1987 إلى 1993 بأنها الأقوى في تاريخ الحركة الأسيرة، من حيث وزنها وقوتها وتأثيرها في الشارع، لأنها تزامنت مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987. فتلك الانتفاضة غذّت حركة الأسرى بأعداد كبيرة من الشبان المتحمسين والمقاتلين المستعدين للتضحية، بعد سنوات طويلة من الحكم العسكري الصهيوني وسياساته في الضفة الغربية وغزة. انصهر الوعي والطاقة الشبابية التي جاءت مع الانتفاضة بالخبرة التنظيمية للأسرى القدامى الذين عاشوا سنوات أسر طويلة قبلها؛ ومن بينهم، كما يقول، رجال امتد زمن اعتقالهم داخل السجن ليعادل عمره بأكمله خارجه.
أحد الأبطال، الشهيد عمر القاسم، كان أسيرا منذ عام 1968. كان عمري أربعة أشهر حين اعتُقل الشهيد عمر القاسم. واستُشهد داخل السجن بعد 21 عاما من الأسر، نتيجة إهمال طبي، وربما مرض خبيث زُرع في جسده، لأنه كان شخصية استثنائية من بين أبرز الشخصيات، وله بصمة كبيرة في الحركة الأسيرة. لكن تأثيره استمر، لأن عددا من الأسرى الذين شاركوه فترات طويلة من أسره بقوا داخل السجن، وحملوا تجربة حياته، ونضاله، وقصته إلى الأسرى الجدد، فدمجوهم في الحركة بأي شكل تنظيمي يناسب، سواء بتجنيدهم سياسيا وتنظيميا داخل السجن، أو باستقطابهم إلى الحركة الأسيرة بطريقة أخرى.
غالبًا ما يُنظر إلى أسرى مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات وخالدة جرار، وغيرهم ممن اعتُقلوا في الفترة التي سبقت أوسلو وتلته، باعتبارهم قضية إنسانية بحتة. ويقابل أنور ياسين هذا الإطار بما يراه الهدف الحقيقي للاحتلال الصهيوني: القيادة السياسية القادرة على إدامة مشروع وطني فلسطيني ومقاومة سياسية للنظام القائم.
يجيب أنور ياسين بتتبع أثر أوسلو على حركة الأسرى مباشرة.
لا شك، أن الانقسام السياسي داخل الشارع الفلسطيني حول القضية الفلسطينية، بين أوسلو، والقوى التي أيدت أوسلو، وقوى المقاومة التي رأت في ذلك الخيار خيارا انتحاريا، خيارا ينطوي على تنازلات كبرى لصالح العدو، عدو سيستغل هذه التنازلات لفرض مزيد منها بدلا من منح الشعب الفلسطيني حقه في إقامة دولة وكيان سياسي ينهي هذا الصراع التاريخي مع العدو.
يصف أنور ياسين الطابع العنصري التوسعي للاحتلال، المدعوم من الإمبريالية، والذي يعمل باعتباره رأس حربة للمشروع الإمبريالي، أداة للتوتر لا للاستقرار أو التنمية في المنطقة. وهذه البنية هي ما مكّن الاحتلال الصهيوني من انتزاع تنازل تلو الآخر من الجانب الفلسطيني، وهو ما رفضه جزء كبير من معسكر المقاومة في المشهد السياسي الفلسطيني، وهو ما أبقى الانقسام حادا وغير محلول حتى اليوم.
ويرى أن هذه السياسة لم تستثنِ حتى المستفيدين منها من ممارسات الاحتلال. يشير إلى الضفة الغربية؛ الخاضعة اسميا لسلطة السلطة الفلسطينية في حقبة أوسلو؛ حيث يرتكب المستوطنون والجنود الصهاينة جرائم لا تقل خطورة عما يُرتكب في غزة، حتى من دون الذريعة المستخدمة لتبرير حرب غزة (أن المقاومة المسلحة رفعت هناك تحديا عسكريا مباشرا).
في الضفة الغربية، ورغم غياب قوة مقاومة واسعة من هذا النوع، ورغم وجود سلطة فلسطينية تمارس سلطتها على مساحة واسعة، بأكثر من 60 ألف شرطي تابع للسلطة الفلسطينية، لم تتمكن من إيقاف ولو مستوطن واحد يرتكب جريمة، بينما تُرتكب عشرات، بل مئات، بل آلاف الجرائم بحق شعبنا في الضفة الغربية.
لهذا السبب، يقول أنور ياسين، تتعامل الحركة مع التصعيد الحالي في ظل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير باعتباره نتيجة لا سببا: نتيجة لضعف الحركة الأسيرة نفسها، ولنجاح الاحتلال في تقسيم المشروع السياسي الفلسطيني بين مؤيدي أوسلو ومعارضيه، انقسام أعاد إنتاج نفسه داخل السجون، بين أسرى أيّدوا أوسلو وآخرين رفضوه. هذا الانقسام الداخلي، كما يرى، هو ما جعل من الصعب ردع ممارسات السجان، لأن الردع اعتمد دائما على إرادة جماعية يمارسها الأسرى معا عبر الخطوط الفصائلية، وهو ما يعتمد بدوره على الوحدة في الشارع الفلسطيني في الخارج.
إذا كانت حركة الأسرى موحدة، أو على العكس إذا كان الشارع الفلسطيني موحدا، فمن الطبيعي أن تكون الحركة الأسيرة الوطنية موحدة. لكن الانقسام في الشارع الفلسطيني، في السياسة الفلسطينية الرسمية، انعكس انقساما داخل الحركة الأسيرة، فبدأ السجان يمارس هذا الإجرام، هذا التعذيب النفسي والجسدي، بحق القادة، وفي مقدمتهم القادة والشخصيات المؤثرة داخل السجن، ومن بينهم الرفيق أحمد سعدات، والقائد مروان البرغوثي، وعباس السيد، وكثير من القادة الآخرين الذين يعتبرهم السجان مؤثرين، ممن لكلمتهم وزن بين الأسرى. لكن انقسام الحركة الأسيرة جعل الرد على هذه الممارسات منقسما هو الآخر، لا موحدا.
يقول أنور ياسين إن الحركة الأسيرة قامت بمحاولة واحدة لعكس هذا المسار، حين وجهت رسالة وحدة إلى المشهد السياسي الفلسطيني الأوسع في الفترة ما بين 2010 و2011، لكن لأن الحركة نفسها كانت لا تزال منقسمة من الداخل، لم تستطع الرسالة أن تؤدي عملها في إجبار القوى السياسية الخارجية على التوحد، إذ كان المشهد الفلسطيني قد انقسم آنذاك إلى موقفين يراهما غير قابلين للتوفيق: معسكر يراهن على الدبلوماسية والتفاوض مع عدو مجرم عنصري محتل مدعوم من القوى الاستعمارية والإمبريالية الأمريكية، ومعسكر يدرك عبثية هذا الرهان. والوحدة، كما يرى، لا تكون ممكنة إلا تحت راية المقاومة وثقافة مقاومة تمتد على كامل جغرافيا فلسطين المحتلة، وهو ما ثبت، كما يقول، استحالة تحقيقه، رغم الشعارات واللقاءات الدورية، لأن مشروع التحرر الفلسطيني نفسه ما زال منقسما على ذاته. ويرى أن معرفة كيفية إنهاء هذا الانقسام واستعادة جبهة مقاومة موحدة باتت اليوم موضوع دراسة ملحّة، يمكن للأسرى الفلسطينيين، كما يرى، أن يؤدوا فيه دورا مهما في إعادة رسم خط سياسي فلسطيني موحد.
منذ السابع من أكتوبر 2023، صادق الاحتلال الصهيوني على تشريع عقوبة الإعدام الذي يستهدف الأسرى الفلسطينيين، وطبّقت تصنيفا قانونيا جديدا على معتقلي غزة باعتبارهم «مقاتلين غير شرعيين»، وهو إطار لا يعترف بأي فئة أخرى لهم بموجب القانون الإسرائيلي. تصف التقارير منذ ذلك الحين مستوى من التعذيب، ومنطقا وراءه، يصفه ياسين بأنه أقرب إلى الوحشية الحيوانية في أحسن الأحوال.
يقرأ أنور ياسين تصنيف «المقاتل غير الشرعي» على أنه مناورة متعمدة، محاولة لتقسيم الأسرى إلى فئات، معتقلون أمنيون في مقابل مقاتلين غير شرعيين، لإضفاء غطاء من الشرعية والقانونية على كيفية توزيعهم ومعاملتهم لاحقا.
ممارساتها على الأرض لا تحترم أي قيد قانوني أو إنساني، ولا أي شيء آخر. من يسمع الاحتلال يسميهم “مقاتلين” قد يظن أنه، لو كانوا مقاتلين شرعيين، لالتزم في تعامله معهم باتفاقية جنيف، وهذا نوع من الخداع. فهو لا يعترف بشرعية المقاوم الفلسطيني، ولا بحقه في الدفاع عن حقه في حياة حرة وكريمة وفي مواجهة الاحتلال، ولذلك يمارس هذه الوحشية ليقتل روح المقاومة والتحدي التي يمثلها الأسير داخل السجون، والمقاوم في الشارع، طفلا كان أو شابا أو شيخا أو امرأة أو فتاة، حين يرفضون هذا الاحتلال. فمن خلال ممارساته، يحاول المحتل كبح تلك الإرادة وتفريغها من مضمونها النضالي، لكي يفرض سيطرته ويمحو وجود هذا الشعب، صاحب الحق في هذه الأرض وهذا التاريخ وهذا الوطن.
يمد أنور ياسين المنطق نفسه إلى الطريقة التي قام بها الاحتلال الصهيوني بالإبادة الجماعية في غزة، إذ يرى أنها قسّمت الحملة إلى ما بدا وكأنه ثلاث معارك منفصلة (الشمال، ثم وسط القطاع، ثم الجنوب، مع مساومة على الدخول إلى رفح) لمجرد تسهيل مهمتها وتخفيف، أو تمييع، ردة الفعل الدولية عبر التفاوض بشكل تدريجي متجزئ، وكأن حل «مشكلة الشمال» سيحل المسألة برمتها ويمنح المحتل ما يريده. في الواقع، كما يقول، هي جريمة واحدة، عدوان واحد على الشعب الفلسطيني في كامل القطاع، وقد امتدت السيطرة منذ ذلك الحين من الشمال إلى الوسط ثم إلى الجنوب، حتى بات نحو 70 في المئة من قطاع غزة تحت الاحتلال، مع تدمير أكثر من 85 في المئة من المباني والمنازل بشكل كامل، وبقاء أقل من 30 في المئة من سكان غزة محاصرين في منطقة ضيقة.
لا ينبغي أن ننخدع بمحاولة العدو الصهيوني العبث بالمصطلحات والتسميات، لأن ممارساته على الأرض لا تعطي أي وزن لأي قانون، أو لأي معيار إنساني أو قانوني أو قضائي. إنه عدو يحاول، عبر سياسة القوة وفرض السيطرة والهيمنة المتصاعدة، أن يركع الشعب الفلسطيني، وكل هذه الممارسات ليست مجرد عقاب فردي على سلوك بعينه، سلوك هذا الأسير أو ذاك القائد، بل محاولة لكسر إرادة المقاومة وإرادة التحدي بذاتها.
تلك الإرادة، كما يرى، لا تنكسر تحت الضغط، بل تزداد صلابة، كاشفة الوجه الحقيقي للاحتلال بوضوح أكبر كلما اشتد ضغطه، ولهذا يصر على أن الحركة لا يمكنها أن تترك أسراها ومقاتليها داخل السجون من دون رد على مستوى المقاومة نفسها: قضية الأسرى، وإطلاق سراحهم، وحمايتهم، والحد من الإجرام الصهيوني الممارَس بحقهم، يجب أن تبقى من العناوين الثابتة في أي مواجهة مع هذا العدو، إلى حين يتحقق الإفراج عنهم، سواء عبر عمليات تبادل الأسرى، أو عبر استنزاف متصاعد للمحتل ومطالبة دولية وعربية متزايدة ببقاء هذه القضية حاضرة، بما يجبر على إطلاق سراح الأسرى وكرامتهم وإنسانيتهم وحياتهم محفوظة.
أثارت حملة القمة العالمية للشعوب (IPA) مسألة حق الفلسطينيين في الحياة السياسية، وهو حق يُحرم منه الأسرى المحررون بشكل روتيني. فالأسرى الذين التقاهم ياسين عاجزون عن التعبير عن مواقفهم السياسية حتى بعد الإفراج عنهم: فأولئك الذين يعودون إلى الضفة الغربية أو غزة يخاطرون بإعادة الاعتقال إن فعلوا ذلك؛ وأولئك الذين يُفرج عنهم إلى المنفى، يجدون أن الدولة المضيفة نفسها غير راغبة في السماح لهم بالحديث في الشأن السياسي الفلسطيني.
يعامل أنور ياسين في إجابته الأمرين باعتبارهما لا ينفصلان.
هذا العدو، كما قلنا، يحاول دائما تصوير أي موقف معارض لسلوكه وسياسته العنصرية على أنه إرهاب، على أنه إجرام، ولذلك فهو يرفض حتى موقفا يكتفي برفض وجود الاحتلال، أو بكشف وجهه الحقيقي. فمن المستحيل الرهان على أن يسمح العدو الصهيوني والاحتلال الصهيوني للمقاومة، أو للقوى السياسية، أو لأبناء شعبنا الفلسطيني، بالتعبير عن رأي سياسي معارض للاحتلال ورافض لوجوده، لأنه يخشى أن تثمر هذه البذرة، شيئا فشيئا، تغييرا على المستوى الدولي، حتى في غياب أي عمل عسكري ضد الاحتلال. فهو لا يزداد إزاء ذلك إلا عنصرية وضراوة تجاه شعبنا الفلسطيني.
ويضع هذا في سياق فترات لم يكن فيها للفلسطينيين أي قدرة على المقاومة المسلحة على الإطلاق، مجادلا بأن ممارسات الاحتلال عملت دائما على محو القضية الفلسطينية وحق الشعب في حياة حرة وكريمة، وفي التعبير عن أحلامه وآلامه وآماله ومشروعه السياسي الخاص. وهذا، كما يقول، احتلال توسعي يرفض حتى الاعتراف بوجود شعب فلسطيني أصلا، مشيرا إلى تصريحات نتنياهو وحكومته العلنية التي تستبعد قيام دولة فلسطينية، تصريحات تقابلها، في روايته، وقائع على الأرض: مزيد من التضييق على من تبقى من الفلسطينيين في غزة، واستمرار البناء الاستيطاني في الضفة الغربية. ويشير إلى أن نتنياهو تفاخر ببناء أكثر من 104 مستوطنات خلال فترة حكمه.
هذا يعني أن مساحة واسعة من أراضي الضفة الغربية باتت تحت سيطرة وسلطة هذه العصابات والمستوطنين، وهو ما يستوجب بالضرورة ردا، لأن المقصود من ذلك بطبيعة الحال هو منع قيام دولة فلسطينية، كما يقول نتنياهو نفسه، وإغلاق الباب أمام أي وحدة جغرافية وديموغرافية تحتاجها الدولة الفلسطينية، سواء داخل الضفة الغربية نفسها أو بين الضفة الغربية وغزة. فهو يحاول زرع بؤر استيطانية متصلة متشابكة، بطرق مخصصة لها، للاستيلاء على مساحات جديدة وواسعة من أراضي الضفة الغربية، وحصار شعبنا في المخيمات والبلدات والقرى وكأنها غيتوهات محاصرة، بينما يترك المجال مفتوحا على مصراعيه أمام عصابات المستوطنين لنشر الفساد والإجرام أينما ذهبوا، ولمواصلة التوسع في هذه المستوطنات.
بالنسبة لأنور ياسين، فإن هذا يستبعد أي تسوية مع المحتل دون المقاومة نفسها، لغة المقاومة، والتمسك بالحقوق، والرفض الصريح لوجود الاحتلال.
ينظر العالم اليوم إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية لها رمزيتها الخاصة في استعادة الحقوق، واستعادة حرية هذا الشعب، واستعادة كرامته وحقه في إقامة دولته المستقلة على أرضه، وعاصمتها القدس، وفي رفض هذه السياسة، سياسة لم تعد تخيف شعبنا الفلسطيني وحده فتدفعه إلى ضرورة مقاومتها، بل باتت تخيف العالم، وكل إنسان حر في هذا العالم. لأنه إذا نجحت سياسة كهذه، وهذا الإجرام، وهذه الإبادة، في كامل الوطن الفلسطيني وضد شعبنا الفلسطيني، فهذا يعني أنها لن تتوقف هناك، بل ستمتد إلى أماكن أخرى، وإذا نجحت في مكان واحد، فستمتد بطبيعة الحال إلى أماكن أخرى. وهذا ما يرفضه كل إنسان حر، في أمتنا العربية أو في العالم أجمع، وهذا ما يجب أن يوحّد الجهود، ويوحّد الرؤية اللازمة لمواجهة هذا الاحتلال، المدعوم من الإمبريالية العالمية، وفي مقدمتها الإمبريالية الأمريكية. وهذا يتطلب عملا صبورا طويلا، وإرادة موحدة تجمع كل جهد يدرك خطورة الخضوع لإرادة المحتل، لهذا الغطرسة ولهذا الإجرام، لأن الخضوع له يعني الفناء والموت. وهذا ليس سبيل الأحرار، لا في أمتنا ولا في العالم.