نحو حركة نسوية شعبية مناهضة للإمبريالية والصهيونية والرجعية، من أجل تحرر النساء والشعوب

إن نظام سجون الاحتلال الإسرائيلي هو أحد أكثر أسلحة الصهيونية تطورا، حيث يعمل السجن الجماعي كاستراتيجية مضادة للثورة تهدف إلى التفكيك المنهجي للتنظيم السياسي الفلسطيني، تحييد القيادة، وكسر القدرة الجماعية للشعب الفلسطيني على مقاومة الهيمنة الاستعمارية الاستيطانية.

حمل التحليل الكامل بصيغة PDF من هنا

كان السجن والاعتقال، منذ الأيام الأولى للاحتلال، أداة لتدمير سياسات المقاومة، عبر اعتقال الأشخاص لما يمثلونه: قدرتهم على التنظيم، التثقيف، التعبئة، وهيكلة المقاومة. إن الكوادر السياسية، والنقابيين، وقادة الحركة الطلابية، والمثقفين، والممثلين المنتخبين، ومنظمي الحراكات هم أهداف متعمدة؛ لأنهم يشكلون العمود الفقري للنضال الجماعي الفلسطيني.

تُفهم هذه الاستراتيجية بشكل أفضل على أنها “قطع رأس تنظيمي”، ففي حالة شخصيات مثل مروان البرغوثي، وهو قائد مركزي في الانتفاضة الثانية ويتمتع بشرعية شعبية واسعة، تم سجنهم لأنه لا يمكن استبدالهم بسهولة. كان اعتقال هاته الشخصيات مصمما لقطع الصلة الحية بين التعبئة الشعبية والقيادة السياسية الوطنية. وبالمثل، سُجن أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لإضعاف اليسار الثوري وإرسال إشارة مفادها أن أي بديل متماسك لإطار أوسلو سيتم سحقه.

يمثل الاعتقال الإداري أحد أبشع تعبيرات السلطة الاستعمارية، فهو يسمح للصهاينة بسجن الفلسطينيين إلى أجل غير مسمى دون تهمة أو محاكمة، مما يحول الحياة السياسية إلى حالة من عدم الأمان الدائم. تحت هذا النظام، يصبح التنظيم في حد ذاته عملا من أعمال التحدي والمقاومة، وتُجبر الحركات على اتخاذ مواقف دفاعية، غير قادرة على تخطيط استراتيجيات طويلة المدى أو بناء مؤسسات مستقرة. هذا ليس عرضياً، بل هو إنتاج متعمد للشلل السياسي.

يعمل السجن أيضا على تجريم الوجود السياسي. فبموجب القانون العسكري الصهيوني، يمكن اعتبار الانتماء السياسي، والمشاركة في النقابات أو مجالس الطلبة، وحتى فعل الخطاب العام، بمثابة “تهديدات أمنية”. لقد تعرضت قيادات مثل خالدة جرار، المنظمة النسوية والبرلمانية والمثقفة، للسجن المتكرر بسبب عملها السياسي لا أكثر. الرسالة واضحة تماماً: المشاركة السياسية الفلسطينية بحد ذاتها غير قانونية.

علاوة على ذلك، يستنزف نظام السجون الموارد الاجتماعية والمادية للمجتمع الفلسطيني؛ حيث تضطر العائلات والحركات والمجتمعات إلى تحويل طاقتها نحو البقاء: الدفاع القانوني،زيارات السجون، الرعاية الطبية، والمناصرة الدولية. هذا شكل من أشكال العقاب الجماعي ذو نية سياسية، يهدف إلى إنهاك البنية التحتية التي تدعم المقاومة واستبدال النضال الجماعي بمعاناة فردية.

يتم بشكل خاص وكثيف استهداف المنظمين من الشباب والطلبة. فمن خلال اعتقال الشباب الفلسطينيين في لحظات تكوينية من تطورهم السياسي، تقطع إسرائيل عملية إعادة إنتاج الوعي الثوري، مما يخلق فجوات جيلية، وفراغات في القيادة، وفقدان ذاكرة تنظيمي. ما لا يمكن احتواؤه من خلال المنظمات غير الحكومية أو سياسات المانحين، يتم تحييده بدلا من ذلك خلف زنازين السجون.

في الوقت نفسه، يسعى الاحتلال إلى منع السجون نفسها من أن تصبح مواقع للتنظيم الثوري. إن استخدام العزل الانفرادي، والنقل المستمر، ومنع الاتصالات، وقمع لجان الأسرى الداخلية يعكس خوفا عميقا: وهو أنه حتى في ظروف الأسر، يستمر الفلسطينيون في التنظيم. إن الإرث الفكري والسياسي الطويل لأسرى مثل وليد دقة، الذي حول عقودا من السجن إلى فضاء للفكر والكتابة الراديكالية، يكشف فشل السجن في إخماد الحياة السياسية بالكامل.

أخيرا، يؤدي السجن وظيفة أيديولوجية في الساحة الدولية. فمن خلال اختزال القادة السياسيين في صفة “معتقلين أمنيين”، يحاول الاحتلال نزع الصفة السياسية عن صراع استعماري وإعادة صياغته كإجراء لإنفاذ القانون. هذه السردية تمحو حقيقة أن الأسرى الفلسطينيين هم أسرى سياسيون لنظام استعماري استيطاني، اعتقلوا لمقاومتهم السلب (التهجير) والفصل العنصري.

بهذا المعنى، فإن السجن الصهيوني ليس مجرد قمع، بل هو مكافحة للتمرد، ومضاد للثورة، وحرب اجتماعية. إنه يسعى إلى تفتيت المجتمع الفلسطيني، وتدمير القوة السياسية المنظمة، وجعل المقاومة بلا قيادة، ومشتتة، وسهلة السيطرة. ومع ذلك، فإن إصرار تنظيم الأسرى، وإضرابات الجوع، والإنتاج السياسي خلف القضبان يثبت حقيقة جوهرية: السجن ليس مجرد موقع للهيمنة، بل هو خط مواجهة في النضال نفسه.

لذلك، فإن مواجهة السجن الإسرائيلي ليست مجرد مطالبة بإصلاحات إنسانية، بل هي تحد لآلية مركزية من آليات السيطرة الإمبريالية ودفاع عن إمكانية وجود حياة سياسية فلسطينية منظمة.